السيد محمد تقي المدرسي

70

من هدى القرآن

إلى نعمتهم - بينما المجرمون في عذاب جهنم خالدين ، لا يخفف عنهم ، ولا ترجى لهم النجاة ، وهذه هي العاقبة التي اختاروها لأنفسهم بظلمهم ، وعندما طلبوا من مالك ( الملك الموكل بجهنم ) أن يقضي الله عليهم ( فيموتوا ) يقول لهم مالك : إنكم باقون هنا . بينات من الآيات : [ 67 - 68 ] يذكرنا الرب هنا بأمرين : أولًا : بمحورية التقوى في الصداقة ، لأنها هي الباقية حقا ، وفي يوم القيامة حيث يبحث كل واحد عن خليل يشفع له فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ ( 100 ) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [ الشعراء : 100 - 101 ] ، فلا ينفع غير الأصدقاء في الله . فليس المطلوب صداقة كيفما اتفق ، بل تلك الصداقة التي تمتد من الدنيا إلى الآخرة ، إلى أن يدخلا في الجنة بسلام . وفي مقابل هذه الصداقة هناك صداقة لا تتعدى حدود الزمالة أو المصلحة المشتركة ، تنتهي بانتهاء الزمالة أو المصلحة . إن هذه الصداقة ليست بالضرورة سيئة إلا أنها محدودة ، وتقوم في الغالب على أسس مادية ، وهي معرضة للاهتزاز والزوال . وهذا جانب من النظرة الشاملة إلى الحياة في الإسلام ، التي تنظم حياة الإنسان وعلاقاته على أساس التقوى ، لا على رمال متحركة ، فالعلاقة المادية عقيمة سواء كانت في السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع . ثانياً : بمنهجية الآخرة . إذا أردنا أن نعرف صحة فكرة لا بد أن ننظر إلى عاقبتها ، وعاقبة الأمور تتجلى في الآخرة بأظهر صورها ، وعلينا أن نجعل ذلك مقياسا لعملنا في الدنيا ، فما عاقبة التقوى إلا الجنة ، وما نهاية الخلة الصالحة إلا الشفاعة والتقابل على سرر في الجنة ، قد نزع الله ما في قلوبهم من غل ، وهكذا فإن أي علاقة لا تنفع في الآخرة فهي ليست نافعة في الدنيا أيضا ، وإنما أنت الذي تبني لنفسك قصرا في الجنة بعملك ، أو تحجز لنفسك دركا في النار - والعياذ بالله - . والدنيا صورة مصغرة عن الآخرة ، فالظلم ظلمات يوم القيامة ، والغل والغش حيات وعقارب في النار ، والنظرة الحرام نار في العين يوم القيامة ، والكذب عقرب تلدغ اللسان . وربنا سبحانه يوزع مشاهد القيامة على سور القرآن توزيعا ينسجم وموضوعاتها ، فإذا كانت سورة الزخرف تتحدث عن علاقات الإنسان المادية تجد فيها ما يتناسب وهذا الموضوع ، مثل نهاية العلاقات في الآخرة ، وإنما يتحدث القرآن الكريم عن الآخرة قبل وبعد كل بصيرة يبيِّنها ، لأن النفس لو تركت من دون التذكرة بالآخرة لطغت ولتجبرت ، ولم تنتفع بالبصائر ،